السيد كمال الحيدري
95
مدخل إلى النظام المعرفي لآلية فهم القرآن
الواضح أنّ هذا المنهج الجامع للمناهج الصحيحة الآنفة الذِّكر يرفع المؤونة كثيراً عن كاهل المفسّر ، ويجعله يتحرّك بمرونة عالية جدّاً . وربما يتوهّم البعض بأنّ هذا المنهج التفسيري حديث الولادة وأنّه أفرزته التجربة التفسيريّة التي مرّت بمراحل عديدة ، ولكنّ الصحيح هو أنّه من المناهج القديمة والمنتشرة أيضاً ، ويكفينا في تحقيق ذلك مطالعة يسيرة للمصادر التفسيريّة حتّى القديمة منها ، حيث سنجد نماذج عديدة تدور رحى عمليّاتها التفسيريّة في ضوء هذا المنهج ، وإن كنّا نعتقد أنّ هذا الأمر قد وقع من باب الاتّفاق لا القصد . فبلورة المناهج وتسمياتها واصطلاحاتها جاءت متأخّرة عن بدء العمليّة التفسيريّة بقرون عديدة « 1 » . ستة عشر : إنّ منهجنا التفسيري العامّ الذي ارتأينا الالتزام به في جميع أبحاثنا التفسيريّة هو منهج تفسير القرآن بالقرآن ، ولكن بمعيّة مداريّة السنّة الشريفة ، وهو ما نُطلق عليه بمحوريّة القرآن ومداريّة السنّة ؛ وهذا الالتزام المعرفي متفرّع على قضيّة أساسيّة ينبغي ترسيخها والتأكيد عليها وهي كون القرآن هو المفسِّر الحقيقي الوحيد لنصوصه ، فهو - كما عرفت آنفاً - يفسِّر بعضه بعضاً ويُصدّق بعضه بعضاً ، وأنّ ما عداه لا يؤدّي دوراً تفسيريّاً محضاً وإنّما دوره تشخيصيّ لمرادات النصّ ؛ أو توكيديّ وأحياناً تعميقيّ ، كما هو الحال بالنسبة للروايات ، إلّا أنَّ الدور التفسيري للمفهوم القرآني يُعالج من خلال القرآن نفسه ، أي : بواسطة النصوص القرآنيّة المفسِّرة للنصوص القرآنيّة المفسَّرة . بعبارة أُخرى : إنَّ الدور الذي يؤدّيه الغير هو أشبه ما يكون بالدور
--> ( 1 ) منطق فهم القرآن ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 65 .